أقترح أن تجهز كأسا من القهوة أو الشاي قبل البدأ، لأن ما ستقرأه هنا قد يكون مختلفا قليلا عن الخطابات العاطفية التي تتناقل بيننا، لذا أريد منك ذهنا صافيا، و أعصابا متراخية.
مبدئيا سأطرح عليك سؤالا، هل سرقت اوروبا المجد من المسلمين.. أم صنعته؟
إن كانت إجابتك مبنية على العاطفة، فصدقني هي لا تغير من الواقع شيئا، و الأجدر بنا أن نقرأ النصوص بعين موضوعية، نقدية، بعيدا عن العاطفة، بحثا عن الحق دون ملابسات أو بكاء على الأطلال.
حتى أثناء قرائتك لنصي يا عزيزي القارئ، فأنا لا أستثني ذاتي.
سنناقش التاريخ و الحضارات و المعرفة بناء على واقع لا على خطاب غاضب، ما الواقع و ما الخيال؟ وما الذي بالغنا في تهويله حتى أصبح مسلّمًا به؟
في زمن قديم، إختلط العرب مع الفُرس و اليونان، مشكلين مزيجا ثقافيا لم يقم بتوسيع الحدود الجغرافيّة فقط، بل وسّع أيضا من حدود العقل و المعرفة.
من نتاج إختلاط الأجناس و الأعراق كان تناقل العلوم و ترجمتها، و أهم جزء "تطويرها" فأخذ علماء المسلمين و ذوي العقول المستنيرة أنذاك بهذه الكتب و درسوها و أخذوا منها ما قد يخدم الأمة و يجعلها في قمة الأمم.
و ابتداءا من القرن الثامن، إلى القرن الخامس عشر.. أشرقت الحضارة الإسلامية كفجرٍ طويلٍ لم يخفت سريعًا، فغدت المعرفة فيها روحًا سارية، والإبداع عادةً يومية. في تلك القرون، لم تكن العلوم حِكرًا على مجالٍ دون آخر، بل تفتّحت في الرياضيات والطب والبيولوجيا، وامتدّت للبصريات والفلك والفلسفة، حيث تآلف العقل مع التجربة، والسؤال مع الاكتشاف.
ولم يقف الجمال عند حدود العلم، بل انسحب إلى الزخرفة، وسكن العمارة، وتنفّس في الأدب، فكانت المدن تُقرأ كما تُقرأ الكتب، وتُبنى كما تُصاغ القصائد. وفي ذلك الزمن، لم يكن الإبداع ترفًا، بل ضرورة، ولم يكن العلم صدىً لغيره، بل صوتًا أصيلًا في مسيرة الإنسان نحو الفهم والحكمة.
في هذا الزمن، تفوقت الحضارة الإسلاميّة على باقي الحضرات، و سبقت زمانها في بعض العلوم.
مثلا ـ كان الخوارزمي من قام بتأسيس علم الجبر كعلم مستقل، و بنى أساس كل ما نعرفه عن الخوارزميّات اليوم.
أما إبن سينا؟ هذا العالم القدير كان فيلسوفا و طبيبا، تم تدريس كتبه الطبيّة في العالم عامّة و أوروبا خصيصا لقرون، و الهمت فلسفته العديد من الفلاسفة اللاحقين.
و لدينا علي ابن النّـفيس، الذي يشتهر بإكتشافه للدّورة الدّموية الصّغرى قبل أوروبا بقرون، و كتب مؤلفات في الطب منها شروحات لكتب ابن سينا و جالينوس.
بالإضافة للزّهراوي، صاحب كتاب التّصريف لمن عجز عن التّأليف، ابتكر العديد من الأدوات الطبيّة التي استخدمت لاحقا في اوروبا، و بعضها مازال قائما للآن.
أما إبن الهيثم، رائد المنهج التّجريبي الحديث، و عالم البصريّات الذي اثبت أن الرؤية لا تحدث بسبب انبعاث الأشعة من العين كما كان يعتقد القدماء.
بينما رسّخ الفارابي أسس الفلسفة والمنطق السياسي، وقدم رؤى ثاقبة في الفكر الفلسفي. وأثر ابن رشد في تفسير أرسطو ومواءمة العقل مع الدين، فكان جسرًا بين الفلسفة الإسلامية والفكر الأوروبي لاحقًا.
و بينما كان العلماء يسهرون بين التدوين و البحث و و إكتساب المعرفة، إرتفعت بعض الخطابات الدينية بأصابع من الإتهام نحو من كرسّوا حياتهم للعلم، بحجة أنهم ينحرفون عن المنهج العقائدي المسلّم به أنذاك، و أصبح التساؤل جريمة، و الشك لا يغتفر، و طرح الأفكار زندقة و كفر.
ابن رشد مثلا، كان أحد أهم علماء الأندلس، درس الفقه الاسلامي و الطب و الرياضيات و الفلسفة اليونانية و الفلك، و كتب كتابا بعنوان “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” في هذا الكتاب حيث دافع عن مشروعية دراسة الفلسفة للمسلمين، في زمن كانت فيه الفلسفة محرمة، و أوضح أن القرآن يدعوا للتفكر في الكون، و الفلسفة ليست إلا أداة للتفكير.
كما أنه و من أكثر أفكاره إثارة للجدل، أنه قال أن الحقيقة واحدة، لكن طرق فهمها تختلف حسب قدرة العقل، هذه الفكرة لاحقًا أصبحت أساسًا لفكرة في الفلسفة الأوروبية تسمى: تعدد مستويات الفهم للحقيقة.
كانت أفكاره هذه شرارة للفقهاء من أجل اتهامه أنه ينشر الفلسفة اليونانية المحرمة و يعطي العقل قيمة أكبر من النص. و لم يقتصر الأمر على الإتهام فقط، بل تم نفيه إلى قرية قريبة من قرطبة، و منعت كتبه الفلسفية، كما أنه تم إحراق بعض مؤلفاته..
و حين يخنق السؤال ويُدان البحث، يُخنق العقل ذاته، ويُمحى جزء من الإمكانات البشرية. التقييد لا يوقف التاريخ فقط، بل يوقف القدرة على صناعة المجد في الحاضر. الحرية الفكرية ليست رفاهية، بل شرط لتقدم الإنسان والمجتمع.
و أتعلم ما المفارقة؟
عندما تراجع الاهتمام بابن رشد في العالم الاسلامي، و تم اعتباره عارا لا عالما، في هذه الأثناء تم ترجمة أعماله الى اللاتينية، و أثرت أفكاره بشدة في فلاسفة اوروبا، و أصبح أحد أعمدة الفلسفة الأوروبية و ظهرت مدرسة فكرية تدعى الرشدية (Averroism)، وكانت تعتمد على تفسير ابن رشد لفلسفة أرسطو.
اذا.. بينما كانت كتب ابن رشد تُمنع في العالم الإسلامي، كانت تُترجم في أوروبا وتُدرَّس في جامعاتها.
و ذلك لم يقتصر على كتب ابن رشد فقط، بل تم ترجمة كتب عديدة للخوارزمي في الرياضيات مثلا، و لابن سينا و الرازي في الطب، و لابن الهيثم و مبادئه في المنهج التجريبي.
فلقد عاش الكثير من المسيحيين في الأندلس وخلطوا ثقافتهم بالثقافة الإسلامية و اهتموا بعلومها، فكانت قرطبة وطليطلة المدن الإسبانية مراكزا للترجمة والتلاقح الفكري. هذا الانتقال لم يكن سرقة، بل تواصل حضاري طبيعي، يظهر أن الحضارات تبنى عندما يلتقي السؤال بالفرصة، والفضول بالحرية.
أوروبا في هذه الفترة، و خاصة مع بداية القرن الخامس عشر، بدأت بالفترة التي تعرف بالنّهضة الأوروبية، لم يكتفوا بترجمة أعمال اليونانيين و المسلمين، بل عملوا على فهمها، ثم نقدها و تطويرها، فمثلا استفادوا من منهجيات ابن الهيثم والفلاسفة المسلمين، لكنهم طوروها لتصبح أساس البحث العلمي الحديث.
التجربة والملاحظة صارتا ركيزتين لفهم الظواهر الطبيعية بدل الاكتفاء بالموروث الأقدم.
و من أهم معالم النهضة أنه تم الإهتمام ببناء الجامعات، و لم تكن مراكزا للتلقين أو التحفيظ، بل محيطا يسمح بالنقد و البحث المستمر و إستمرار المعرفة، مع تقدير لحرية الفكر و النقاش بعيدا عن التعصب الديني، فمن يأتي بفكرة جديدة لا يتهم مباشرة بالزدقة، بل توضع فكرته تحت مجهر التجريب و المناقشة.
هنا كانت نقطة انطلاق لفكر نقدي جديد. هذه المفارقة ليست مجرد حادثة تاريخية، بل درس فلسفي للحضارات: إن المجد الحقيقي لا يُسرق ولا يُمنح، بل يُبنى بإرادة العقل، وبشجاعة السؤال، وبالإيمان بأن لكل حضارة فرصة أن تصنع مجدها إذا لم تُخنق روح الاجتهاد فيها.
إذا.. بينما كان العرب و المسلمون روادا في العلوم و الفلسفة في العصر الذهبي، تراجع تأثيرهم و برزت أوروبا بعد نهضتها و الثورة الصناعية أنذاك، ليس لأن أوروبا سرقت المجد أو العلوم من العرب، فالحضارات لا تُبنى على الصفر، بل على ما ورثته من أسلافها ومن اختلاط الثقافات، ما يفرق بين المجد الحقيقي والوهمي هو القدرة على تطوير المعرفة والابتكار الحر.
فالمعرفة العلمية لم تُهمل بالكامل في العالم الاسلامي، لكنها لم تُترجم إلى تطوير صناعي أو اجتماعي واسع.
و ما المعضلة الكبرى؟
أنه لطالما قيل أنه تم سرقة علوم المسلمين من طرف الأوروبيين، لكن قول '‘سرقة” ليس سوى تضليل و تمجيد لماضي لم نعد نملكه، لم ينكر الأوروبيون العقول المستنيرة للعرب و تأثيرها العظيم في التطور العلمي، كما كانوا يدرسون كتبهم لعقود.
لم تكن أوروبا لصًا للحضارة كما يُصوَّر أحيانًا، بل كانت وريثًا لتراثٍ إنسانيٍ واسع.
أخذت منه، ثم أضافت إليه، ثم بنت عليه نهضتها الخاصة.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي:
لماذا تقدمت أوروبا؟
بل:
لماذا توقفنا نحن عن طرح الأسئلة التي صنعت مجدنا يومًا ما؟
أوروبا لم تبنِ نهضتها بمجرد قراءة التراث، بل بفهمه ونقده، بتطبيق التجربة والملاحظة، وبالاعتراف بالخطأ والصواب على حد سواء. هذا درس لنا: المعرفة ليست مقدسة، ولكن طريقة التعامل معها هي ما يصنع الفرق بين الحضارة والذكرى.
فان اردنا أن نأخذ المجد يا عزيزي القارئ، فذلك يكون عبر الحرية الفكرية، والنقد، والفضول المستمر.
كما أن الفكر و الفلسفة ليسا ندّا للحق، بل داعمان له.
أما حديثًا؟ هنا تظهر مفارقة أخرى.
رغم الجمود الدوغمائي شكليًا، وتمجيد الماضي عبر المقالات ومواقع التواصل، وإدانة الغرب على ما آلت إليه الحضارة الإسلامية سابقًا، فإن الحاضر يوضح عكس ذلك تمامًا. العرب اليوم يعتمدون اعتمادًا شبه كامل على الغرب وعلومه، ويمجدون ثقافته، أحيانًا بشكل أشد من تمجيدهم لماضيهم الذهبي.
لم يعد الأمر مجرد اتكال حضاري، بل انعكاس لعجز معرفي أو ربما تراجع في الثقة بالقدرة الذاتية على بناء المعرفة والابتكار. وهذه المعضلة تكشف أن تمجيد الماضي بدون عمل وإبداع في الحاضر، يتحول إلى وهم يعطل القدرة على صنع مجد حقيقي اليوم.
وفي النهاية، دعونا نكون صريحين.
لن يأتي المجد من ترديد أمجاد الماضي كما لو كانت جائزة قديمة، ولن يتحقق بالتذمر من أوروبا أو لوم الغرب على تقدمهم. إذا كنّا نريد أن نكون أمة صانعة للمعرفة، فعلينا أن نترك الأعذار والتبريرات جانبًا، وأن نفتح عقولنا للسؤال والتجربة والابتكار. المجد ليس كتابًا محفوظًا في مكتبة، بل مشروع يومي، عمل وجهد، وحرية في التفكير.
فبدل أن نمجد من سبقونا أو نلوم من تبعونا، لنعمل نحن اليوم، أو لنظل نقرأ التاريخ ونبكي على الأطلال و الحاضر.
اذا.. هل أنهيت كوب القهوة تزامنا مع إنهاء المقال؟
ربما الفراغ الغريب و الصمت المهيب الذي يأتي بعد الأسئلة و الأكواب الفارغة، هو دعوة للتأمل و التفكير.
أن المجد يبدأ عندما نفتح عقولنا بلا خوف، نطرح الأسئلة التي تخيفنا أحيانًا، وننظر إلى ما لم يُكتشف بعد كما لو كان أمام أعيننا. في هذه الحافة بين المعرفة والجهل، بين الصمت والفعل، يولد شيء جديد، شيء حي، شيء لنا، إذا تجرأنا على أخذه. فلتكن مقالاتنا، كل كلمة فيها، تمرينًا على الفضول، على التساؤل، وعلى الجرأة على مواجهة الحقيقة مهما كانت.


المقال يحتوي على الكثير من التضليل الذي لا معنى له
قول القائل أن أوروبا كان لها تأثير في سقوط الحضارة الاسلامية -مع التحفظ على موقف من يوقع عليها اللوم المطلق- ليس يقتضي أنه متأثر بالعاطفيات كما بدأت المقال ، ثم إن في هذا القول -و إن خالفته في جوانب- بابا من أبواب الصحة و مقصدنا من ذلك ما كان يحدث في الحروب الصليبية و غيرها من حرق للمكاتب و قتل الخ بيد أن سقوط الحضارة كان له عوامل متعددة لا نختصر ذكرها في هذا
ثم إنك اعتبرت أن الفقهاء قديما كانوا متزمتين يعتبرون التفكير زندقة و جريمة و غيرها مما ادعيت هو ادعاء ساقط . ما قال أحد يوما بحرمة التفكير و لا حرمة اعمال العقل (بل أن اعماله واجب) لكن العقل له حدود (و هذا يعرفه الصغير قبل الكبير) فلا يكون اعمال العقل في مسائل تخالف بها الدين صراحة ثم تلوم من قال أنك مخالف كافر بالله ، هذا سفه بل ادعاء أحمق للمظلومية و تغطية للحقائق
مقال رهيب لكن في نظريات ألفها المسلمون وتم طمس اسمائهم ولم ينسب الفضل إليهم ونسبت إلى علماء أوربيين آخرين