ما جعلني أكتب هذا المقال كان إعلانا..
كنت أمرر في مقاطع الريلز على انستقرام، و صادفني اعلان لمركز عناية و تجميل، تعلم— تلك الإعلانات الكثيرة التي تريك شكل الزبون قبل و بعد العملية التجميلية حيث ترى التغيير المبهر على ملامحه، لدرجة.. قد يصبح شخصا مختلفا تماما.
تأملت التغيير الجذري الذي حدث لتلك الزبونة و كيف أصبحت ملامحها مشدودة و مثالية كأنها عارضة ازياء، و بالخطأ دخلت لصفحة الحساب، التي تعرض كل الاعمال و العمليات و النتائج الخلابة لهذا المركز، و بدأت اتصفح و الصور بكل فضول..
لكن شيئًا ما استوقفني.
لما كل الزبونات بعد العملية، بشكل ما.. متشابهات؟
و كأنه هناك نمط يتكرر بين تلك الصور، نفس النسب بين الملامح و نفس القياسات، مع تطابق في شكل العيون و الأنف و حجم الشفاه، و الأمر بات مستنسخا كوجود '' قالب '' لملامح معينة، و يبدوا أن الجميع يحاول وضع ملامحه الخاصة في هذا القالب.
و انبثق في ذهني تساؤل، من وضع هذا القالب و أقنع الجميع باتخاذه؟ بالطبع لأنه يعتبر مثالي.. لكن من اقنع الناس ان باقي الملامح غير جميلة او غير متناسقة؟
هل هو معيار علمي أم ثقافي؟ هذا السؤال ظلّ يلاحقني.
وبعد بحثٍ قصير، بدا أن الأمر أعقد من فكرة ''معيار ثابت للجمال''.
كثيرًا ما يستدعى الحديث عن التماثل الهندسي وتناسق النِّسب في ملامح الوجه، ويُستحضر مفهوم ما يُعرف بـ "النسبة الذهبية"، بوصفه معيارا خفيا للكمال… وكأن ثمة نزعة ملحة لاختزال الجمال في معادلات رياضية، وسعيا دائما لإخضاعه لمنطق الأرقام.
و اللافت أن هذه الأرقام ذاتها لا تنتج وجها واحدا متطابقا، ومع ذلك يتكرّر أمامنا نوع من التماثل المألوف.
فهل نحن حقا نتبع الأرقام؟ أم أننا، دون وعي، ننجذب إلى الصورة التي جرى اختزالها منها— تلك الصيغة المبسطة التي أعيد إنتاجها حتى غدت مألوفة بصريًا، مقبولة، وربما مسلما بها؟
هنا قد بدأ التحول الحقيقي… ليس في فهم الجمال، بل في إعادة تشكيله.
لأن الجمال لم يكن يومًا فكرة ثابتة. ما كان يُعتبر مثاليًا في التسعينات أو بدايات الألفينات يختلف تمامًا عمّا نراه اليوم!
و كمثال، في عصر مضى كانت الشفاه متوسطة الحجم أو الصغيرة أجمل من الشفاه الممتلئة، و هذا ما يعتبر عكس عصرنا كما تعلم..
كأن كل زمن يعيد رسم “القالب” بطريقته، ثم نركض نحن لملئه، دون أن نسأل: لماذا هذا القالب تحديدًا؟
ومع الوقت، يصبح القالب أكثر حضورًا من الفكرة نفسها و لا يعود الأمر مجرد ذوق، بل يصبح معيارًا اجتماعيًا يتسلل بهدوء عبر التكرار!
خاصة في عصرنا، فكما تعلم إن الخوارزميات و الإعلانات قد قامت بالواجب لإقناعنا، و أكبر دليل.. الصور التي تنتشر أكثر، الوجوه التي تحصد إعجابات أكثر، إنها ليست دائمًا الأجمل، بل الأقرب إلى ما اعتدنا رؤيته.
ومع دخول الفلاتر إلى هذه المعادلة، يصبح الأمر أكثر وضوحًا وأقل وضوحًا في نفس الوقت. الفلاتر لا تفرض شكلاً واحدًا بشكل مباشر، لكنها تعيد صياغة الوجوه بطريقة متقاربة: أنف أصغر، بشرة أنعم، شفاه ممتلئة، عينان أكثر اتساعًا، وزوايا وجه أكثر حدّة وتناظراً. ومع التكرار، يصبح هذا الشكل مألوفًا، ثم مرغوبًا، ثم معيارًا غير معلن.
المشكلة ليست في الفلاتر نفسها، بل في أنها لا تبقى في مكانها.
ما يبدأ كأداة للعب أو تحسين بسيط، يتحول إلى لغة بصرية كاملة.
وهنا يبدأ شيء خفي في العمل، لأن ما يكافأ بصريا لا يبقى مجرد صورة، بل يتحول إلى توجيه غير مباشر للمجتمع و المعايير ككل، حيث نحن لا نجبر على التشابه، لكننا نتعلمه، أو إن صح القول.. نتعود عليه.
لغة تقول بدون كلمات: هذا الشكل أفضل في الصورة.
ثم تتحول إلى: هذا الشكل أفضل في الواقع أيضًا.
ومع تحول هذه “الصورة النمطية” إلى “ الوجه طبيعي”، يصبح أي اختلاف خارج هذا الإطار أقل قبولًا و أقل قيمة دون نقاش حقيقي، و قد يهاجم حتى.
و هنا بالضبط يا عزيزي القارئ، يحدث شيء هادئ في ظاهره لكنه قوي في تأثيره— بالنسبة لي على الأقل..
يحدث عندما يشعر الفرد بالنقص، بقلة الثقة، بالانفصال المجتمعي و الكثير من الامور السلبية فقط لان ملامحه مختلفة عن هذه الصورة النمطية عن الجمال..
و أثناء هذه الفجوة و سلسلة المقارنات اللانهائية مع الممثلات و المودلز و الشعور بالدونية امامهن مع لوم غير مبرر للذات.
تظهر أمامك إعلانات مراكز التجميل كما حدث معي بالظبط، و كأنها المنقذ الذي سيجعل حياتك افضل، و يجعلك محبوبا و مشرقا و أهم ما في الأمر سيجعلك أجمل!
هنا أين يتحول الجمال لشيء يشترى، إلى منتج، و يصبح ثقافة استهلاكية لا جوهرية..
و هذا ما تريده الشركات و المراكز منك، ان— لا تتقبل نفسك، و ان تضع نفسك في نفس القالب.. كالجميع.
و يقفز المرء نحو هذه العروض المغرية، من تعديلات على الشفاه الى عدسات و عمليات على الفك و الأنف..
ثم، على نحوٍ ما، تتقارب الملامح حتى يبدو وكأن الجميع يقترب من الوجه ذاته… فتتلاشى الفوارق الدقيقة التي كانت تمنح كل فرد فرادته، ويخفت ذلك التميز الذي كان يجعل كل وجه حكاية قائمة بذاته
والمفارقة أن كل ذلك يحدث تحت اسم ’’الاختيار”
بينما تتقلص خياراتنا في الحقيقة… ببطء يكاد لا يلحظ،
إلى أن نجدها قد انحصرت في صورة واحدة..
وجه يتكرّر في كل مرة،
بنسخ متعددة… لكنها متقاربة بما يكفي لتبدو واحدة.
ولهذا، حين عدت إلى ذلك الإعلان مرة أخرى،
لم أره بوصفه عرضا جديدا،
بل كصورة مألوفة على نحو مقلق.
وجهٌ واحد…
يتكرّر بهدوء في كل مكان


مقال عميق وصادق يعكس واقعنا اليوم بشكل لافت. بعد قراءتي، أدركت فعلًا مدى انجرافنا نحو التشابه دون وعي، وكيف نبدأ تدريجيًا بالتخلي عن طبيعتنا وتفرّدنا لنلائم قوالب متغيّرة لا تشبهنا. أكثر ما أثّر فيّ هو أن هذا التغيّر يحدث بهدوء لدرجة أننا لا نلاحظه. طرحك يجعل القارئ يعيد التفكير في نفسه وفي اختياراته
مقال رائع و يطرح الواقع ، و لكن من ناحية أخرى .. بدأ الوعي بالإنتشار بين الفئة الأخرى من النساء ، هنالك الكثير من الحملات التي تدعم الثقة بالنفس ، تقبل الإختلاف ، حُب الذات ، و عدم الإنجراف للقوالب الجمالية المستنسخة .. و اعتقد ان هنالك تأثير فعال!