لطالما أردت أن أكتب و أن اجعل افكاري التي تجول في عقلي كلمات حية تفهم و تقرأ، أن اجد من يعتبرون التعرف على وجهات نظري شيئا ممتعا، كي اقوم بتفريغ تصوراتي دون ان اقع في مواقف.. حيث أجد نفسي اتحدث بدون توقف لشخص بالكاد يفقه ما أقول ــ ليس لجهله ــ بل لعدم اكتراثه، لكنني و رغم رغبتي الجامحة في الكتابة و التدوين كنت دائما اتجنبهما، اكتب القليل من الكلمات ثم اتوقف و احذفها بقليل من الحنق.. شعورا مني انها لا تصف ما اشعر به حقا، كأن الكلمات ليست كافية، او أشعر احيانا انني لست جيدة بالكتابة، اخبر نفسي انه علي القراءة اكثر و تحسين رصيدي اللغوي، ان اتعلم القواعد اكثر و ابدع بالمجاز..
لطالما كنت مولعة بالقراءة توازيا مع الكتابة ، اقرأ الكثير من المقالات و الكتب.. فانبهر من الاسلوب و البلاغة، اندهش من كم المعلومات و الثقافة التي يحظى بها الكاتب و كيف كان مبدعا في ايصال المعلومات بلطف، فأجد نفسي ــ بشكل ما ــ استنقص من قدرتي، أو كي اوضح الامر أكثركنت دائما اخبر نفسي انني ساكتب عندما اصبح مستعدة، عندما يكون لدي قدر كافي من المعلومات.. عندما أمتلك اسلوبا لغويا ممتازا، اصبحت اخنق رغبتي الداخلية و اعد نفسي بالكتابة عندما يصبح الوقت مناسبا و اصبح ــ انا ــ اهلا لذلك.
الكتابة مجرد مثال من بين مئات الاشياء التي اردت البدا فيها حقا، و دائما ما يكون عذري أن الوقت ليس مناسبا، او انني علي ان اصبح مثالية فيه حتى اتمكن من الشروع به.. فمثلا ، كنت اريد البدأ في تطوير لغتي الفرنسية، قررت هذا في بداية سنة 2024 ، فاخبرت نفسي انني سابدأ اولا باول بشهر يناير ، و فعلا فعلت ذلك.. و لكن و بعد مرور ثلاث ايام من الحماس المؤقت توقفت.. نعم لقد توقفت بسبب بعض الانشغالات فهممت بتاجيل فكرتي للعطلة، أتت العطلة مع المزيد من التأجيلات، بعدها سنة الباكالوريا.. المزيد من التأجيل بالطبع من اجل الاهتمام بها، لتعود نفس الفكرة.. سابدا عندما أصبح جاهزة.
لكن متى ؟ متى سأصبح جاهزة ؟
و مع تقديم مثالين لعدم البدا، البحث عن المثالية و الوقت المناسب.. يجدر بي التحدث عن مثال اخرو لتسليط الضوء عليه علي التحدث عن صديقتي الطموحة جدا، و التي كانت تريد ان تتعلم الرسم و تصبح رسامة ، كانت تشاهد مقاطع فيديو لرسامين و فنانين فتقول لي اريد ان اصبح مثله، فاخبرتها ان تفعل و تبدا في التعلم، لكنها اخبرتني انها لا تملك ادوات مناسبة، لم يكن توفر قلم رصاص و الوان عادية عائقا بالنسبة لها، بل هي تريد الوان الرسامين المكلفة التي تراها بمواقع التواصل، و ذلك كي تعتبر نفسها قادرة على البدا في التعلم و الرسم.
و نعم، للان لم تبدا و لا اظن انها ستفعل..
و السؤال هنا.. هل سنبقى ننتظر الوقت المناسب لنعيش و نجرب الحياة التي نريدها؟ الى متى سنفعل؟ الى متى سنجلس بانتظار الغد المشرق متجاهلين حقيقة اننا لن نستعد ابدا.. و لن يأتي الوقت المناسب ولا الادوات المناسبة، كل ما سيحدث ان الايام ستمر.. و العمر يتلاشى.. و الحياة لن تعاش، فالحياة تمضي، هي لا تتوقف لاجلنا.. هي لا تنتظر منا ان نتجهز او ان نتخلص من مخاوفنا و قلقنا.. هي فقط تمر بهدوء و اعمارنا تضيع بالمقابل.
قبل اسبوع كانت نتائج الباكالوريا خاصتي؛ عائلتي كانت سعيدة جدا بمعدلي العالي، فرحت ايضا بالتأكيد لكن.. لا يمكنني انكار لحظات الصمت التي كانت تنتابني، فيجول بعقلي كيف ان الوقت يمر بسرعة فائقة، كيف انني لا يمكنني استيعاب ان مرحلة الثانوية انتهت، و انني اليوم اختار تخصصي الجامعي و احدد قائمة رغباتي.. اشعر انني لازلت عالقة في طفولتي.. كانني لا ادرك ان الوقت مر فعلا، الباكالوريا انتهت.. و الان انا في مرحلة جديدة اكثر نضوجا،
و المشكلة الاكبر.. انني لا اعيش هذه المرحلة كما كنت اريد، لم اقرا الكتب بقائمتي، لم ابدا بالكتابة.. لم اتعلم الفرنسية.. لم اتعلم البرمجة، لانني كنت انتظر وقتا مناسبا، ظرفا يجعلني اقول ’الان ما اردته سيصبح حقيقة‘ و تغافلت عن حقيقة ان الوقت المناسب لا يعطى بل يصنع، و ان لا وجود لغد مشرق ولا وجود ليوم تستيقظ فيه لتجد السماء صافية ، و الارض ممهدة، اللحظة الوحيدة المتاحة لك هي الآن. اما عن المثالية و الادوات المناسبة.. ستاتي عندما تبدا، تتطور، و لاتستسلم، فمن يروم شيئا فليسعى لاجله.
ــ بينما نؤجل، تنقضي الحياة ــ هذا ما قاله الفيلسوف الرواقي سينيكا، الذي كان يحذر من تاجيل الافعال بحثا عن ظروف مثالية لا تاتي ابدا، و رغم بساطة كلامه ظاهريا الا انه يقصد احد اعظم ماسي الانسان المعاصر و التي تحدثنا عنها سلفا،التاجيل بحثا عن الوقت المناسب، الادوات المناسبة ، المزاج المناسب.. و حقيقة ان سينيكا فيلسوف ولد باربع سنوات قبل الميلاد.. توضح ان مهزلة التاجيل هي ظاهرة قديمة، ظهرت مع ظهور الانسان نفسه، الا انه ومن وجهة نظري المتواضعة.. ارى ان هذه المشكلة تفاقمت مع الانسان الحديث..
قد تتسائل لما؟
بسيطة، بسبب الانترنت و الهواتف الذكية، اصبح الفرد يطمح لفعل كل شيء.. قراءة كل الكتب، تجريب كل المهارات، اكتساب كل المعارف، يجد مقطعا لشخص يعزف فيرتفع الادرينالين و يقرر تعلم عزف البيانو او القيتار.. يرى ستوري لشخص يلعب الشطرنج او ربما السودوكو، ليعزم على تعلمهما، مع العلم انه يريد تعلم الايطالية، و قراءة كتب البير كامو و دوستويفسكي و البدا في ممارسة الرياضة، حتى انه يطمح لاحتراف مهارة الجرافيك ديزاين.. لكن ــ ومع الاسف ــ لم يفعل شيئا من كل هذا، بل يظل طول اليوم متكيا يجول بين مواقع التواصل يشاهد حياة الغير بينما ــ يتمنى ــ ان يفعل، دون فعل او القيام بخطوة.. و بالتاكيد يمتلك اعذارا مختلفة، مثل انه يحتاج ايبادا جديدا لاجل الجرافيك، او انه عليه ان يشترك بالجيم كي يبدا بالاهتمام بلياقته البدنية، و ابرزها.. يقول ــ غدا ــ سابدا، عندما يكون الوقت مناسبا و المزاج مستعدا.
وبين ثنايا التأجيل تتكدس الاحلام و الرغبات، تمر الايام.. يشيب الرأس.. و لاشيء تم انجازه، لم تعش الحياة كما ينبغي، اقصى ما فعلته هو تخيل نفسك تحقق رغباتك، اهدافك لم تتخطى حدود مخيلتك، و العمر ينقضي.. تحت اكذوبة الغد المشرق، و الوقت المثالي و المناسب.
هذا المقال اهداء لكل من يعاني من هذه المعضلة.. و لنفسي خصيصا، كي ابدا الان، و اصنع اوقاتي المثالية بمفردي، و استغل كل دقيقة تمر.. فالحياة مرة واحدة.
بقلم ــ ايناس ــ



في بداية سَنة 2023 قلت لنفسي سأبدا تَعلم اللغة الاسبانية، كان عُمري ١٦ .. ها انا الان ذات ال ١٩ عاماً لازلت ابحث عن الوقت المُناسب لِتعلم الاسبانية .. شيء مُحزن إني اكتشفت متأخرًا إنه لا يوجد شيء اسمه ' وقت مُناسب ' ..
لكن ان تَصل مُتاخرًا خيرٌ من ان لا تَصل
الحَمدلله على كُل حال وشُكراً على المَقال .. كانت فكرة وكتابة مُوفقة جداً 💗
فعلاً اتفق مع كلامك
من قبل سنة حاولت أغير بعض العادات واكتسب جديدة لكن لمن انظر للأشخاص بالمواقع التواصل ينجزون ويشتغلون عقلي يقنعني أني مو بحاجة اسوي شيء او أتخيل الفشل واوقف وهكذا لين مر الوقت ولا غيرت شيء:(