المقدمة
هل تعلم أن كل شيء.. بما في ذلك أنا و أنت، و كل ما حولنا.. هو عبارة عن أجزاء صغيرة لا تُرى بالعين المجردة تدعى ذرّات؟ أجزم أنك تعلم، فالأمر بات بديهيا في عصرنا حتى بالنسبة لطفل صغير، لكن دعنا لا نتوقف عند هذا الحد بل لنكبر الصورة قليلا داخل الذّرة، حيث سنجد نواة تتكون من النيكليونات ــ تتكون بدورها من جسيمات تدعى كواركات ــ و يدور حولها جسيم غني عن التعريف يدعى الإلكترون، متأكدة أنك تعاملت ــ مُرغمًا ــ مع هذه المعلومات أثناء دراستك، لكن لنتوقف قليلا و نتأمل في بعض تفاصيله.
هذه الجسيمات كانت تعتبر في وقت ما،أصغر ما توصل إليه العقل البشري، أي انها كانت تعتبر آخر طبقة للواقع، لكن هل تعلم أننا لا نستطيع رؤيتها؟ حتى مع إحضار أقوى مجهر ضوئي في العالم ــ لازلنا عاجزين عن رؤيتها او تحديد طبيعتها بدقة، لذلك تم إعتبارها جسيمات نقطية، أي انها نقطة في الفضاء، لا حجم لها.. لكنها ذات شحنة و كتلة محددتين.
لكن ما نعلمه تماما ان هذه الجسيمات، تتفاعل فيما بينها عن طريق تبادل جسيمات أخرى ــ كل هذه الجسيمات تجتمع فيما يُعرف بـ النموذج القياسي standard model و هو النموذج الاكثر شمولا و دقة للعالم الكمّي، هذا النموذج بدوره يتكون من فئتين و هي الفيرميونات و البوزونات، و قد يبدو لك أن هذه هي نهاية الطريق أي اصغر مكون للمادة، نظرية كل شيء ربما؟ و كأننا عند هذا المستوى قد فهمنا العالم أخيرا، لكننا نصطدم بحاجز قوي؛ الجاذبيّة.
فالجاذبيّة التي تشكل حضورا كاسحا على المستوى الكوني، تنهارتماما امام هذا النموذج، حيث ان هذه الجسيمات ــ و للاسف ــ تفشل في تفسير الجاذبية، و عندما نحاول دمج النسبية العامة لاينشتاين التي تصف الجاذبية مع ميكانيكا الكم التي تصف الجسيمات ، تظهر تناقضات رياضيّة شديدة، تناقضات دفعت العلماء للبحث عن حل، عن نظرية شاملة تفسر كل شيء، و من رحم التناقضات و التساؤلات ولدت نظرية الأوتار.
نقطة التحول في فهم المادة
قبل ان أشرح ماهية هذه النظرية، ألم تطرح على نفسك سؤالا؟ بالتأكيد هنالك الكثير من الأسئلة التي تجول في ذهنك لكن ــ في صدد معرفة ماهي هذه الأوتار، ألم تتسائل عن كيف قد تتواجد كل هذه الجسيمات النقطية كالكوارك النترون البروتون البوزيترون الالكترون و غيرها، و رغم ذلك تمتلك خصائص مختلفة، لنبسط الأمر قليلا.. ما الذي يجعل الإلكترون إلكترونا؟ نحن نعلم ان الجسيمات الاولية مختلفة بطبيعتها، و لكل نوع خصائصه، دون ان نملك سببا أعمق.. رغم انها كلها جسيمات نقطية.. و كأن الإلكترون إالكترون فقط لأنه ولد كذلك.
هذا يطرح نوعا من الفراغ التفسيري.. حيث نتسائل لماذا؟ لماذا ليسوا نفس الجسيم؟
هنا بالظبط سنقوم بتكبير الجسيمات أكثر، لنعلم ماهيتها بدقة.. و سنرى أن الجسيمات ليست نقاطا صماء، بل هي أوتار صغيرة للغاية، والمكون الأساسي للكون اشبه بأشرطة صغيرة جدا تهتز للأمام و الوراء بطرق مختلفة، تتذبذب بدقة و تناغم في نمط محدد، هذا التناغم هو ما يعطي الخصائص المميزة للجسيمات الأولية، اهتزاز هذه الأوتار بنمط خاص لكل نوع هو ما ينتج إختلاف عالمنا..
و كأن الكون آلة موسيقية ضخمة، مثل الوترفي آلة الكمان.. يمنح الحانا مختلفة بإختلاف التردد و طريقة العزف، فتتشكل موسيقى جميلة، متنوعة، و متناغمة، لكن هنا، الأوتار لا تعزف على خشبة المسرح، بل على مسرح الكون نفسه، لتصنع لحنا هائلا لا نسمعه بل نقرأه في قوانين الطبيعة. فهل بهذا الشكل يظهر أن الكون و رغم الاختلاف الظاهر به إلا أنه يخفي وحدة و أصلا مشتركا؟ ليظهر في النهاية، كأنه سيمفونيّة كونيّة عظيمة؟
الآن و كما نعلم كلنا، ابرز نظرتين فيزيائتين في العالم هما النسبية العامة لأينشتاين، و التي تقدم الإطار النظري للاجسام الضخمة كالمجرات و الكواكب و تعطي وصفا مذهلا للجاذبية و الكون، بالإضافة الى ميكانيكا الكم التي تركز على ما دون الذرة و الاجسام المتناهية في الصغر، حيث لا يمكننا إنكار مدى دقة كل منهما و مدى صحة تنبؤاتهما، و الثورة العلمية التي قدماها لكن ــ الغريب في الأمر أنهما لا يمكن أن يجتمعا، فالأبحاث و بشكل لا يقبل الجدل أدت إلى أن أحد النظريتين تنفي الأخرى..حيث لا بد من أن تكون واحدة منهما فقط على صواب. وهكذا فإن النظريتين اللتين تشكلان أساس التقدم الهائل في الفيزياء خلال المائة عام الماضية غير متوافقتين.
حاول العلماء الربط بينهما، و تدريجيا أصبحت النظرة السائدة للقوى على أنها تبادُل لجسيمات بين الأجسام المتفاعلة: فتنافُر إلكترونين (التفاعل الكهرومغناطيسي) يتم بسبب تبادُلهما لفوتونات ناقلة، وليس بسبب تَضادِّهما. وقد عُمِّمَتْ هذه النظرة على بقية القوى، أما التفاعل الضعيف فهو يتم بواسطة جسيمات W ± وZ، فيما التفاعل القوي يتم عبر تبادُل الغلوونات بين الكواركات، تلك الجسيمات التي يُفترَض أنها تؤلف البروتونات والنيترونات. وهكذا أصبح مشروع توحيد القوى من هذا المنظور، مرادفًا للبحث عن المركَّبات الأساسية للمادة.
فافتُرِضَ أن الجاذبية تسري عبر تبادل جسيمات تسمى الغرافيتونات، فالغرافيتون إن وجد سيكون الجسيم الحامل لقوة الجاذبية، تماما كما يحمل الفوتون القوة الكهرومغناطيسية،الفرق ان الغرافيتون بلا كتلة، يتحرك بسرعة الضوء، و يؤثر على كل شيء بلا استثناء.. لأنه يتعامل مع الزمنكان نفسه، لا مع المادة فقط، و الأجمل أن وجوده في نظرية الأوتار لم يكن فكرة اضيفت عمدا، بل نتيجة حتمية من الاهتزازات؛ ففي اللغة الرياضية، يظهر الغرافيتون كحالة اهتزازية ذات لف مغزلي spin = 2، و هي خاصية تميزه عن باقي الجسيمات، فهو تماثل داخلي يفرضه نسيج الزمنكان ذاته..
و كأن النظرية تقول : لو كانت الاوتار موجودة فالجاذبيّة حتما جزء من اللّحن الكوني.
لكن يبدو أن لحننا هذا لا يعزف على مسرحنا المعتاد، فهو لا يكتفي بأبعادنا المألوفة، أي الابعاد الثلاثة للمكان و البعد الزمني، بل يفرض تواجد ابعاد إضافية أخرى قد تصل إلى عشر أو إحدى عشر بعدا، لا يمكن رؤيتها لأنها منطوية على نفسها، منكمشة و ملتفة ، تخيل ورقة مسطحة بالنسبة لناــ قد تبدو كاسطوانة ملتفة بالنسبة لكائن صغير يعيش بداخلها، هو يشعر بامتدادها و نحن لا نفعل و بذلك قس عليه الأبعاد التي لا يمكننا رؤيتها لانكماشها الشديد، هي موجودة لكن تحجبها حواسنا.
و هكذا فان الغرافيتون لا يكتفي بالسفر عبر ابعادنا الاربعة بل يمكنه التنقل في هذه الابعاد الخفية، و هو ما قد يفسر ضعف الجاذبية مقارنة بالقوى الأخرى.. فهي تتسرب خارج مسرحنا الى فضاءات اوسع من ادراكنا نفسه، و من هنا.. يصبح الكون نسيجا متعدد الطبقات، كل طبقة تخفي خلفا عوالما و أسرارا، و كأن الحقيقة أعمق بكثير مما يسمح به مسرح الحواس.
هذا العمق و الجمال هو ما يجعل نظرية الاوتار محل افتتان و اعجاب، بالتأكيد فاختزال المادة بكل انواعها و انماطها في شكل واحد من الاوتار التي تهتز بأشكال مختلفة ــ لهو فكرة أخّاذة بحق، لكنها أيضا و رغم كل هذا الجمال لم تنجو من النقد، فرغم بنيتها الرياضية المتسقة و المنظمة،و مع انسجام معادلاتها مع مبادئ التناظر، و كذا سعيها لصياغة لغة الكون و فهمه، إلا أن الواقع العلمي صارم، فالعلم لا يقر بأي فكرة مهما بلغت أناقتها، ما لم يثبتها تجريبيا.
الجمال وحده لا يكفي في الفيزياء، و رغم قوة النظرية رياضيا الا انها تعاني من غياب الدّليل المباشر، لا يمكننا رصد الأبعاد الملتفة ،لانها منكمشة بمقاييس أصغر بكثير من أن تكشفها مسرّعات الجسيمات الحاليّة، كما نفتقر للطاقة اللازمة لاختبار الأوتار ذاتها او قياس تنبؤاتهاــ ينقصنا أدوات و وسائل قد لا تتوفر حتى بعد قرون.
حيث يقول ــ إدوارد ويتن ــ نظرية الأوتار جميلة، لكنها قد تكون صحيحة أو خاطئة، و حتى الآن، ليس لدينا التجربة التي تحسم الأمر.
و هكذا يبدو أن المجتمع العلمي إنقسم.. هناك من يرى أن نظرية الأوتار هي نظرية كل شيء و الطريق الحتمي لفهم الكون، و هناك من يعتبرها ميتافيزيقا متنكرة بزي رياضي أنيق، و بين الحماسة المخلصة و الشك الصارم، تظل الأوتار تشد العقول و تفتح أبواب التساؤل؛ هل نحن أمام الحل النهائي للغز الوجود؟ ام أنها مجرد قصة من قصص النظريات الخاطئة التي يجب ان تُروى؟
شخصيّا، و رغم أن الشّك أحد مبادئي وطُرقي، إلا أنني لا يمكنني أن اخفي إعجابي بهذه النّظرية.. إنسجامها، شمولها و كيف تحيط بالكون من عدة جوانب،و تجيب على العديد من الأسئلة التي حيرت الفيزيائيّين، صحيح أنها قد تكون نظريّة خاطئة كما حدث مع نظريّة الأثير، إلا أنها قد تكون صحيحة أيضا.. فكما خرجت الثقوب السوداء من قلب معادلات النسبية كفكرة نظرية محضة، قبل أن تثبت لاحقا و تصبح أحد أهم المفاهيم في الفيزياء و علم الفلك و الكوسمولوجيا، لذا قد يكون تواجد نظرية الأوتار رياضيّا بشكل دقيق مؤشرا على أنها تميل للحقيقة أكثر من الوهم. فالرياضيات في النهاية هي لغة الكون.
الخاتمة
من الذرّات إلى الكواركات.. و من النّقاط إلى الأوتار، يبدو أننا كلّما اقتربنا من جوهر المادة وجدنا أسئلة أكثر و أعقد مما كنا نتصور، و كأن الاقتراب يُبعدنا.. و الواقع يزداد غموضا كلما توغلنا فيه. نظرية الأوتار قد لا تكون الإجابة النهائية، أو قد تكون جزءا منها.. لكنها و بشكل ما تمنحنا القدرة على رؤية الكون من زاوية أخرى ، فالكون ليس مجرد مسرح جامد للأحداث، بل نسيج حي تهتز خيوطه في أبعاد خفية.. تصنع اللحن الذي نسمّيه الوجود.
ربما لن نرى الأوتار أبدا.. و ربما ما يشكّل الكون ليس أوتارا بل شيء آخر كليّا، من يدري؟ و قد تكون الإجابة عن لغز الوجود و الكون خارج كل إفتراضاتنا، لكن حتى ذلك الحين، و حتى وقت ظهور الإجابة.. سيظل الإنسان يسعى للفهم، يبحث و يفترض و يكتشف.. و الجميل في الأمر أن طريق البحث أبهى من الإجابة ذاتها ــ فالإنسان تحركه غريزة أبدية، و رغبة عارمة لمعرفة من اين جاء هذا اللحن، من يعزفه.. و لماذا؟
بقلم ــ إيناس ــ
كتابة هذا المقال كان متعبا قليلا بسبب أن المعلومات كثيرة و أحيانا معقّدة.. إلا أننّي حاولت قدر المستطاع تبسيطه بدون الإنزلاق إلى تبسيط مخل بالمعاني، أو تعيقد منفر، و سأهتم مستقبلا بكتابة مقالات فيزيائية لحبّي لهذا العلم، ليس على سبيل الحصر بل على سبيل الإشادة، لأنني و باذن الله سأكتب عن كل شيء.
بالمناسبة، إذا عجبك الموضوع و تريد مقطعا بصريّا حوله أنصحك بمشاهدة هذا الفيديو string theory



مقال جميل وأنيق وجذاب، يتميز بأسلوب كتابة راقٍ ومميز يجعل القارئ يستمتع بمتابعته من البداية إلى النهاية. الأفكار معروضة بطريقة واضحة ومنظمة، مما يسهّل فهمها واستيعابها بسرعة. كما أن أسلوب الكاتب في توصيل المعلومات سلس وبسيط، يصل إلى العقل بسلاسة دون تعقيد، ويعكس قدرة واضحة على تبسيط المفاهيم وعرضها بطريقة جذابة ومفيدة. مقال ثري بالمعلومات ويستحق القراءة والتقدير، ونأمل رؤية المزيد من هذا المحتوى القيّم.
❤️اسلوبك جدا جميل ، بوركتِ